فصل: تفسير الآيات (99- 105):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أنوار التنزيل وأسرار التأويل المشهور بـ «تفسير البيضاوي»



.تفسير الآية رقم (93):

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)}
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً} فزعم أنه بعثه نبياً كمسيلمة والأسود العنسي، أو اختلق عليه أحكاماً كعمرو بن لحي ومتابعيه. {أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَئ} كعبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نزلت {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ} فلما بلغ قوله: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخر} قال عبد الله {فتبارك الله أحسن الخالقين} تعجباً من تفصيل خلق الإِنسان فقال عليه الصلاة والسلام: اكتبها فكذلك نزلت، فشك عبد الله وقال لئن كان محمد صادقاً لقد أوحي إليّ كما أوحي ولئن كان كاذباً لقد قلت كما قال). {وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ الله} كالذين قالوا لو نشاء لقلنا مثل هذا. {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظالمون} حذف مفعوله لدلالة الظرف عليه أي ولو ترى الظالمين. {فِى غَمَرَاتِ الموت} شَدَائده من غمره الماء إذا غشيه. {والملئكة بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ} بقبض أرواحهم كالمتقاضي الملظ أو بالعذاب. {أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ} أي يقولون لهم أخرجوها إلينا من أجسادكم تغليظاً وتعنيفاً عليهم، أو أخرجوها من العذاب وخلصوها من أيدينا. {اليوم} يريدون وقت الإِماتة، أو الوقت الممتد من الإِماتة إلى ما لا نهاية له. {تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون} أي الهوان يريدون العذاب المتضمن لشدة وإهانة، فإضافته إلى الهون لعراقته وتمكنه فيه. {بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الحق} كادعاء الولد والشريك له ودعوى النبوة والوحي كاذباً. {وَكُنتُمْ عَنْ ءاياته تَسْتَكْبِرُونَ} فلا تتأملون فيها ولا تؤمنون.

.تفسير الآية رقم (94):

{وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)}
{وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا} للحساب والجزاء. {فرادى} منفردين عن الأموال والأولاد وسائر ما آثرتموه من الدنيا، أو عن الأعوان والأوثان التي زعمتم أنها شفعاؤكم، وهو جمع فرد والألف للتأنيث ككسالى. وقرئ: {فراد} كرخال وفراد كثلاث وفردى كسكرى. {كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ} بدل منه أي على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد، أو حال ثانية إن جوز التعدد فيها، أو حال من الضمير في {فرادى} أي مشبهين ابتداء خلقكم عراة حفاة غرلاً بهما، أو صفة مصدر {جِئْتُمُونَا} أي مجيئنا كما خلقناكم. {وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم} ما تفضلنا به عليكم في الدنيا فشغلتم به عن الآخرة. {وَرَاء ظُهُورِكُمْ} ما قدمتم منه شيئاً ولم تحتملوا نقيراً. {وَمَا نرى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الذين زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء} أي شركاء لله في ربوبيتكم واستحقاق عبادتكم. {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} أي تقطع وصلكم وتشتت جمعكم، والبين من الأضداد يستعمل للوصل والفصل. وقيل هو ظرف أسند إليه الفعل اتساعاً والمعنى: وقع التقطع بينكم، ويشهد له قراءة نافع والكسائي وحفص عن عاصم بالنصب على إضمار الفاعل لدلالة ما قبله عليه، أو أقيم مقام موصوفة وأصله لقد تقطع ما بينكم وقد قرئ به. {وَضَلَّ عَنكُم} ضاع وبطل. {مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أنها شفعاؤكم أو أن لا بعث ولا جزاء.

.تفسير الآية رقم (95):

{إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95)}
{إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى} بالنبات والشجر. وقيل المراد به الشقاق الذي في الحنطة والنواة. {يُخْرِجُ الحي} يريد به ما ينمو من الحيوان والنبات ليطابق ما قبله. {مِنَ الميت} مما لا ينمو كالنطف والحب. {وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحي} ومخرج ذلك من الحيوان والنبات، ذكره بلفظ يالاسم حملاً على فالق الحب فإن قوله: يخرج الحي واقع موقع البيان له. {ذَلِكُمُ الله} أي ذلكم المحيي المميت هو الذي يحق له العبادة. {فأنى تُؤْفَكُونَ} تصرفون عنه إلى غيره.

.تفسير الآية رقم (96):

{فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96)}
{فَالِقُ الإصباح} شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل أو عن بياض النهار، أو شاق ظلمة الإِصباح وهو الغبش الذي يليه والإِصباح في الأصل مصدر أصبح إذا دخل في الصباح سمي به الصبح. وقرئ بفتح الهمزة على الجمع وقرئ: {فَالِقُ الإصباح} بالنصب على المدح. {وَجَاعِلُ اللَّيْل سَكَناً} يسكن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه من سكن إليه إذا اطمأن إليه استئناساً به، أو يسكن فيه الخلق من قوله تعالى: {لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} ونصبه بفعل دل عليه جاعل لا به، فإن في معنى الماضي. ويدل عليه قراءة الكوفيين {وَجَعَلَ اليل} حملاً على معنى المعطوف عليه، فإن فالق بمعنى فلق ولذلك قرئ به، أو به على أن المراد منه جعل مستمر في الأزمنة المختلفة وعلى هذا يجوز أن يكون {والشمس والقمر} عطفاً على محل الليل ويشهد له قراءتهما بالجر والأحسن نصبهما بجعل مقدراً. وقرئ بالرفع على الابتداء والخبر محذوف أي مجعولان. {حُسْبَاناً} أي على أدوار مختلفة يحسب بهما الأوقات ويكونان علمي الحسبان، وهو مصدر حسب بالفتح كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب. وقيل جمع حساب كشهاب وشهبان. {ذلك} إشارة إلى جعلهما حسباناً أي ذلك التسيير بالحساب المعلوم. {تَقْدِيرُ العزيز} الذي قهرهما وسيرهما على الوجه المخصوص. {العليم} بتدبيرهما والأنفع من التداوير الممكنة لهما.

.تفسير الآية رقم (97):

{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97)}
{وَهُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ النجوم} خلقها لكم. {لِتَهْتَدُواْ بِهَا في ظلمات البر والبحر} في ظلمات الليل في البر والبحر، وإضافتها إليهما للملابسة أو في مشتبهات الطرق وسماها ظلمات على الاستعارة، وهو إفراد لبعض منافعها بالذكر بعد ما أجملها بقوله لكم. {قَدْ فَصَّلْنَا الآيات} بيناها فصلاً فصلاً. {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} فإنهم المنتفعون به.

.تفسير الآية رقم (98):

{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)}
{وَهُوَ الذي أَنشَأَكُم مّن نَّفْسٍ واحدة} هو آدم عليه الصلاة والسلام. {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} أي فلكم استقرار في الأصلاب، أو فوق الأرض واستيداع في الأرحام، أو تحت الأرض أو موضع استقرار واستيداع، وقرأ ابن كثير والبصريان بكسر القاف على أنه اسم فاعل، والمستودع اسم مفعول أي فمنكم قار ومنكم مستودع، لأن الاستقرار منا دون الاستيداع. {قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} ذكر مع ذكر النجوم يعلمون لأن أمرها ظاهر، ومع ذكر تخليق بني آدم يفقهون لأن إنشاءهم من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة دقيق غامض يحتاج إلى استعمال فطنة وتدقيق نظر.

.تفسير الآيات (99- 105):

{وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99) وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)}
{وَهُوَ الذي أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء} من السحاب أو من جانب السماء. {فَأَخْرَجْنَا} على تلوين الخطاب. {بِهِ} بالماء. {نَبَاتَ كُلّ شَيْء} نبت كل صنف من النبات والمعنى: إظهار القدرة في إنبات الأنواع المختلفة المفننة المسقية بماء واحد كما في قوله سبحانه وتعالى: {يسقى بِمَاء واحد} ونفضل بعضها على بعض في الأكل. {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ} من النبات أو الماء. {خُضْرًا} شيئاً أخضر يقال أخضر وخضر كأعور وعور، وهو الخارج من الحبة المتشعب. {نُّخْرِجُ مِنْهُ} من الخضر. {حَبّاً مُّتَرَاكِباً} وهو السنبل. {وَمِنَ النخل مِن طَلْعِهَا قنوان} أي وأخرجنا من النخل نخلاً من طلعها قنوان، أو من النخل شيء من طلعها قنوان، ويجوز أن يكون من النخل خبر قنوان ومن طلعها بدل منه والمعنى: وحاصلة من طلع النخل قنوان وهو الأعذاق جمع قنو كصنوان جمع صنو. وقرئ بضم القاف كذئب وذؤبان وبفتحها على أنه اسم جمع إذ ليس فعلان من أبنية الجمع. {دَانِيَةٌ} قريبة من المتناول، أو ملتفة قريب بعضها من بعض، وإنما اقتصر على ذكرها عن مقابلها لدلالتها عليه وزيادة النعمة فيها. {وجنات مّنْ أعناب} عطف على نبات كل شيء. وقرأ نافع بالرفع على الابتداء أي ولكم أو ثم جنات أو من الكرم جنات، ولا يجوز عطفه على {قنوان} إذ العنب لا يخرج من النخل. {والزيتون والرمان} أيضاً عطف على نبات أو نصب على الاختصاص لعزة هذين الصنفين عندهم. {مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ متشابه} حال من الرمان، أو من الجميع أي بعض ذلك متشابه وبعضه غير متشابه في الهيئة والقدر واللون والطعم. {انظروا إلى ثَمَرِهِ} أي ثمر كل واحد من ذلك. وقرأ حمزة والكسائي بضم التاء والميم، وهو جمع ثمرة كخشبة وخشب، أو ثمار ككتاب وكتب. {إِذَا أَثْمَرَ} إذا أخرج ثمره كيف يثمر ضئيلاً لا يكاد ينتفع به. {وَيَنْعِهِ} وإلى حال نضجه أو إلى نضيجة كيف يعود ضخماً ذا نفع ولذة، وهو في الأصل مصدر ينعت الثمر إذا أدركت. وقيل جمع يانع كتاجر وتجر. وقرئ بالضم وهو لغة فيه ويانعه. {إِنَّ في ذلكم لآيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي لآيات دالة على وجود القادر الحكيم وتوحيده، فإن حدوث الأجناس المختلفة والأنواع المتفننة من أصل واحد ونقلها من حال إلى حال لا يكون إلا بإحداث قادر يعلم تفاصيلها، ويرجح ما تقتضيه حكمته مما يمكن من أحوالها ولا يعوقه عن فعله ند يعارضه أو ضد يعانده، ولذلك عقبه بتوبيخ من أشرك به والرد عليه فقال.
{وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن} أي الملائكة بأن عبدوهم وقالوا: الملائكة بنات الله. وسماهم جناً لاجتنانهم تحقيراً لشأنهم، أو الشياطين لأنهم أطاعوهم كما يطاع الله تعالى، أو عبدوا الأوثان بتسويلهم وتحريضهم، أو قالوا الله خالق الخير وكل نافع، والشيطان خالق الشر وكل ضار كما هو رأي الثنوية.
ومفعولا {جَعَلُواْ} {للَّهِ شُرَكَاء} والجن بدل من {شُرَكَاء} أو {شُرَكَاء} الجن و{لِلَّهِ} متعلق ب {شُرَكَاء}، أو حال منه وقرئ: {الجن} بالرفع كأنه قيل: من هم فقيل الجن، و{الجن} بالجر على الإِضافة للتبيين. {وَخَلَقَهُمْ} حال بتقدير قد، والمعنى وقد علموا أن الله خالقهم دون الجن وليس من يخلق كمن لا يخلق. وقرئ: {وَخَلَقَهُمْ} عطفاً على {الجن} أي وما يخلقونه من الأصنام، أو على شركاء أي وجعلوا له اختلافهم للإِفك حيث نسبوه إليه. {وَخَرَقُواْ لَهُ} افتعلوا وافتروا له. وقرأ نافع بتشديد الراء للتكثير. وقرئ: {وحرفوا} أي وزوروا. {بَنِينَ وَبَنَاتٍ} فقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، وقالت العرب الملائكة بنات الله. {بِغَيْرِ عِلْمٍ} من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوه ويروا عليه دليلاً، وهو في موضع الحال من الواو، أو المصدر أي خرقاً بغير علم. {سبحانه وتعالى عَمَّا يَصِفُونَ} وهو أن له شريكاً أو ولداً.
{بَدِيعُ السموات والأرض} من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، أو إلى الظرف كقولهم: ثبت الغدر بمعنى أنه عديم النظير فيهما، وقيل معناه المبدع وقد سبق الكلام فيه، ورفعه على الخبر والمبتدأ محذوف أو على الابتداء وخبره. {أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} أي من أين أو كيف يكون له ولد. {وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صاحبة} يكون منها الولد. وقرئ بالياء للفصل أو لأن الاسم ضمير الله أو ضمير الشأن. {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ} لا تخفى عليه خافية، وإنما لم يقل به لتطرق التخصيص إلى الأول، وفي الآية استدلال على نفي الولد من وجوه:
الأول: أنه من مبدعاته السموات والأرضون، وهي مع أنها من جنس ما يوصف بالولادة مبرأة عنها لاستمرارها وطول مدتها فهو أولى بأن يتعالى عنها، أو أن ولد الشيء نظيره ولا نظير له فلا ولد.
والثاني: أن المعقول من الولد ما يتولد من ذكر وأنثى متجانسين والله سبحانه وتعالى منزه عن المجانسة.
والثالث: أن الولد كفؤ الوالد ولا كفؤ له لوجهين:
الأول: أن كل ما عداه مخلوقه فلا يكافئه.
والثاني: أنه سبحانه وتعالى لذاته عالم بكل المعلومات ولا كذلك غيره بالإِجماع.
{ذلكم} إشارة إلى الموصوف بما سبق من الصفات وهو مبتدأ. {الله رَبُّكُمْ لا إله إِلاَّ هُوَ خالق كُلّ شَيْء} أخبار مترادفة ويجوز أن يكون البعض بدلاً أو صفة والبعض خبراً. {فاعبدوه} حكم مسبب عن مضمونها فإن من استجمع هذه الصفات استحق العبادة. {وَهُوَ على كُلّ شَيْء وَكِيلٌ} أي وهو مع تلك الصفات متولي أموركم فكلوها إليه وتوسلوا بعبادته إلى إنجاح مآربكم ورقيب على أعمالكم فيجازيكم عليها.
{لاَّ تُدْرِكُهُ} أي لا تحيط به. {الأبصار} جمع بصر وهي حاسة النظر وقد يقال للعين من حيث إنها محلها واستدل به المعتزلة على امتناع الرؤية وهو ضعيف، إذ ليس الإِدراك مطلق الرؤية ولا النفي في الآية عاماً في الأوقات فلعله مخصوص ببعض الحالات ولا في الأشخاص، فإنه في قوة قولنا لا كل بصر يدركه مع أن النفي لا يوجب الامتناع. {وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار} يحيط علمه بها. {وَهُوَ اللطيف الخبير} فيدرك ما لا تدركه الأبصار كالأبصار، ويجوز أن يكون من باب اللف أي لا تدركه الأبصار لأنه اللطيف وهو يدرك الأبصار لأنه الخبير، فيكون اللطيف مستعاراً من مقابل الكثيف لما لا يدرك بالحاسة ولا ينطبع فيها.
{قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ} البصائر جمع بصيرة وهي للنفس كالبصر للبدن، سميت بها لدلالة لأنها تجلي لها الحق وتبصرها به. {فَمَنْ أَبْصَرَ} أي أبصر الحق وآمن به. {فَلِنَفْسِهِ} أبصر لأن نفعه لها. {وَمَنْ عَمِيَ} عن الحق وضل. {فَعَلَيْهَا} وباله. {وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} وإنما أنا منذر والله سبحانه وتعالى هو الحفيظ عليكم يحفظ أعمالكم ويجازيكم عليها، وهذا كلام ورد على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام.
{وكذلك نُصَرّفُ الآيات} ومثل ذلك التصريف نصرف، وهو إجراء المعنى الدائر في المعاني المتعاقبة من الصرف، وهو نقل الشيء من حال إلى حال. {وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ} أي وليقولوا درست صرفنا واللام لام العاقبة، والدرس القراءة والتعليم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو دارست أي دارست أهل الكتاب وذاكرتهم، وابن عامر ويعقوب درست من الدروس أي قدمت هذه الآيات وعفت كقولهم: أساطير الأولين. وقرئ: {دَرُسْتَ} بضم الراء مبالغة في درست ودرست على البناء للمفعول بمعنى قرئت، أو عفيت ودارست بمعنى درست أو دارست اليهود محمداً صلى الله عليه وسلم، وجاز إضمارهم بلا ذكر لشهرتهم بالدراسة، ودرسن أي عنون ودرس أي درس محمد صلى الله عليه وسلم ودارسات أي قديمات أو ذوات درس كقوله تعالى: {فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ}. {وَلِنُبَيّنَهُ} اللام على أصله لأن التبيين مقصود التصريف والضمير للآيات باعتبار المعنى، أو للقرآن وإن لم يذكر لكونه معلوماً أو للمصدر. {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} فإنهم المنتفعون به.